ابن كثير

457

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

[ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 24 إلى 27 ] قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 24 ) قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 25 ) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ ( 26 ) قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلاَّ بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 27 ) يقول تعالى مقررا تفرده بالخلق والرزق وانفراده بالإلهية أيضا ، فكما كانوا يعترفون بأنهم لا يرزقهم من السماء والأرض ، أي بما ينزل من المطر وينبت من الزرع إلا اللّه ، فكذلك فليعلموا أنه لا إله غيره . وقوله تعالى : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ هذا من باب اللف والنشر أي واحد من الفريقين مبطل ، والآخر محق لا سبيل إلى أن تكونوا أنتم ونحن على الهدى أو على الضلال ، بل واحد منا مصيب ، ونحن قد أقمنا البرهان على التوحيد فدل على بطلان ما أنتم عليه من الشرك باللّه تعالى ، ولهذا قال : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ . قال قتادة : قد قال ذلك أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم للمشركين واللّه ما نحن وإياهم على أمر واحد إن أحد الفريقين لمهتد « 1 » . وقال عكرمة وزياد بن أبي مريم : معناها إنا نحن لعلى هدى وإنكم لفي ضلال مبين « 2 » . وقوله تعالى : قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ معناه التبري منهم ، أي لستم منا ولا نحن منكم ، بل ندعوكم إلى اللّه تعالى وإلى توحيده وإفراد العبادة له ، فإن أجبتم فأنتم منا ونحن منكم ، وإن كذبتم فنحن برآء منكم وأنتم برآء منا ، كما قال تعالى : وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [ يونس : 41 ] . وقال عز وجل : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [ الكافرون : 1 - 6 ] . وقوله تعالى : قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا أي يوم القيامة يجمع بين الخلائق في صعيد واحد ، ثم يفتح بيننا بالحق ، أي يحكم بيننا بالعدل ، فيجزي كل عامل بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، وستعلمون يومئذ لمن العزة والنصر والسعادة الأبدية كما قال تعالى : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ [ الروم : 14 - 16 ] ولهذا قال عز وجل : وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ أي الحاكم العادل العالم بحقائق الأمور . وقوله تبارك وتعالى : قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ أي أروني هذه الآلهة التي جعلتموها للّه أندادا وصيرتموها له عدلا كَلَّا أي ليس له نظير ولا نديد ولا شريك ولا عديل . ولهذا قال تعالى : بَلْ هُوَ اللَّهُ أي الواحد الأحد الذي لا شريك له الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ

--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 10 / 375 ، 376 . ( 2 ) انظر تفسير الطبري 10 / 376 .